الصلاة في مكان العمل
السؤال:أنا أعمل في مركز شرطة ، وأحياناً يحدث أن أستلم المناوبة مرتين بالأسبوع ولا أتمكن خلال الاستلام من مغادرة المركز لظروف العمل ولأوامر رؤسائي ، فهل يجوز لي أن أغادر المركز وأخالف أوامرهم لأداء صلاة التراويح في المسجد القريب من المركز ؟.
الجواب:الحمد لله
لا شك أن حرص الإنسان على الاستزادة من أسباب الأجر والمغفرة في رمضان أمر محمود ومندوب إليه ، إلا أن هذا مشروط بأن لا يؤدي البحث عن فضل إلى تفويت أو الإخلال بما هو أفضل منه .
ولو كان عملُ الإنسان في محل تجاري أو مؤسسة مدنية لما جاز له ترك العمل من أجل القيام بنافلة ، فكيف إذا كان عملُه يتعلق بالأمن وهو أمر مهم تتعلق به أرواح الناس وأمنهم ؟
فلا تحرص على نافلة على حساب التفريط في واجب ، ويمكنك أن تؤدي التراويح في مكان عملك مجزَّأة على حسب الفراغ والسعة ، أو في آخر الليل في بيتك ، وقد يُكتب لك الأجر كاملاً إن علم الله منك صدقاً في أدائها إن لم يتيسر أداؤها في العمل أو في البيت .
وسئل الشيخ محمد الصالح العثيمين – رحمه الله - :
أعمل في أحد المحلات التجارية ولا أستطيع أن أصلي صلاة التراويح في المسجد نظراً لأن مواعيد العمل تكون مِن بعد المغرب إلى قرب السحور ، هل آثم على ذلك ؟ وكيف أعوِّض هذا الثواب الذي فاتني ؟ .
فأجاب :
لا تأثم بترك التراويح لأن التراويح سنَّة ، إن أقامها الإنسان كان له أجر ، وإن لم يقم بها فليس عليه إثم .
وإذا علم الله تعالى من نيتك إنه لولا اشتغالك بما يجب عليك من عقد الأجرة على هذا العمل لقمت بهذه التراويح : فإن فضل الله واسع ، يثيبك سبحانه وتعالى على ما كان من نيتك . " فتاوى إسلامية " ( 2 / 255 ) .
وسئل الشيخ عبد العزيز آل الشيخ – حفظه الله - :
بعض الناس يذهب ليعتمر فيترك عائلته أو وظيفته أو المسجد الذي يصلي به أو يؤذن به ، فما كلمتكم لهم ؟ .
فأجاب :
لا ينبغي أن نتقرب إلى الله بنافلة مع إخلالنا بواجب ، النوافل لا يُتقرب بها إلا إذا أدينا الواجبات ، فمن ضيَّع بيته أو ضيَّع عمله ، أو إمام ضيع إمامته : فهذا لا يعتبر مأجوراً ، بل يعتبر مأزوراً وآثماً .
والله أعلم .
الافطار في قضاء الصوم الواجب
السؤال: ما حكم الإفطار في قضاء الصوم الواجب ؟.
الجواب:الحمد لله
من شرع في صوم واجب كقضاء رمضان أو كفارة اليمين فلا يجوز له الإفطار من غير عذر ، كمرض أو سفر .
فإن أفطر -بعذر أو من غير عذر- وجب عليه قضاء هذا اليوم فيصوم يوماً مكانه ، ولا كفارة عليه ، لأن الكفارة لا تجب إلا بالجماع في نهار رمضان . راجع السؤال (49750) .
وإن كان فطره من غير عذر وجب عليه التوبة إلى الله من هذا الفعل المحرم .
قال ابن قدامة (4/412) :
"وَمِنْ دَخَلَ فِي وَاجِبٍ , كَقَضَاءِ رَمَضَان , أَوْ نَذْرٍ ، أَوْ صِيَامِ كَفَّارَةٍ ; لَمْ يَجُزْ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ , وَلَيْسَ فِي هَذَا خِلافٌ بِحَمْدِ اللَّهِ" اهـ باختصار .
قال النووي في " المجموع" (6/383) :
"لَوْ جَامَعَ فِي صَوْمِ غَيْرِ رَمَضَانَ مِنْ قَضَاءٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ غَيْرِهِمَا فَلا كَفَّارَةَ ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ , وَقَالَ قَتَادَةُ : تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي إفْسَادِ قَضَاءِ رَمَضَانَ: اهـ .
وانظر : المغني (4/378) .
تناول السحور والمؤذن يؤذن
السؤال:هل يجوز الاستمرار في تناول السحور والمؤذن يؤذن للأذان الثاني أم أنه يمتنع ؟.
الجواب: الحمد لله
هذا فيه تفصيل ، إن كان المؤذن أذّن على الصبح ( يؤذن إذا طلع الفجر حقيقة ) وجب الامتناع والإمساك ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يمنعنكم أذان بلال من سحوركم ، فإنه يؤذّن بليل ، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم ) . والأصل في هذا قوله تعالى: ( وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ) فإذا علم أن الفجر طلع حتى ولو ما أذن ، كما في صحراء أو نحوه إذا رأى الفجر يمتنع ولو ما سمع أذان .
أما إذا كان المؤذن يؤذن مبكراً أو يشك في أذانه هل وافق الصبح أم لا ، فله أن يأكل ويشرب حتى يتحقق طلوع الفجر ، إما بالساعات المعروفة التي ضبطت على أنها طلوع الفجر أو بأذان ثفة يعرف أنه يؤذن على الفجر ، فله أن يأكل في حالة الأذان ، أن يأكل أو يشرب أو يأكل ما في يده أو يشرب ما في يده لأن الأذان ليس على الصبح بل محتمل .
استمناء جاهلا انه من المفطرات
السؤال: لقد منّ الله علي بالتوبة قبل عام .. واليوم سمعت أن الاستمناء من المفطرات ، ولم أكن أعرف ذلك سابقاً .. وقد اقترفت هذا الذنب في رمضان قبل الماضي .. ولا أعلم ماذا أفعل ؟ علماً بأنني لا أعلم عدد الأيام التي قمت فيها بهذا الذنب .. أرجوكم أفيدوني ماذا علي فعله ؟.
الجواب:الحمد لله
أولاً : الحمد لله الذي مَنَّ عليك بالتوبة ، ونسأله سبحانه أن يتقبل توبتك ، ويغفر لك ذنبك ، ويلهمك رشدك .
ثانياً : اختلف العلماء فيمن فعل شيئا من مفسدات الصيام جاهلا ، هل يفسد صومه بذلك أم لا على قولين :
الأول : أنه يفسد صومه بذلك ، وهو مذهب الشافعي وأحمد ، إلا أن الشافعي استثنى إذا كان حديث عهد بالإسلام أو كان ناشئا ببادية بعيدا عن أهل العلم فلا يفسد صومه .
قال النووي في "المجموع" (6/352) :
" إذَا أَكَلَ الصَّائِمُ أَوْ شَرِبَ أَوْ جَامَعَ جَاهِلا بِتَحْرِيمِهِ - فَإِنْ كَانَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِإِسْلامٍ أَوْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ بِحَيْثُ يَخْفَى عَلَيْهِ كَوْنُ هَذَا مُفْطِرًا - لَمْ يُفْطِرْ ; لأَنَّهُ لا يَأْثَمُ فَأَشْبَهَ النَّاسِيَ الَّذِي ثَبَتَ فِيهِ النَّصُّ , وَإِنْ كَانَ مُخَالِطًا لِلْمُسْلِمِينَ بِحَيْثُ لا يَخْفَى عَلَيْهِ تَحْرِيمُهُ أَفْطَرَ ; لأَنَّهُ مُقَصِّرٌ " اهـ .
وانظر "المغني" (4/368) ، "الكافي" (2/244) . وقد اختار هذا القول علماء اللجنة الدائمة ، فقد سئلت اللجنة عمن استمنى في نهار رمضان وهو جاهل أن هذا حرام ، ولا يعلم عدد الأيام التي فعل فيها هذا المحرم . فأجابت :
" يجب قضاء الأيام التي أفطرتها بسبب العادة السرية لأنها مفسدة للصيام ، واجتهد في معرفة الأيام التي أفطرتها " اهـ .
فتاوى اللجنة الدائمة (10/258) .
والقول الثاني : لا يفسد صومه بذلك كما لا يفسد صوم الناسي .
وقد اختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في "الفتاوى الكبرى" (2/19) :
" الصَّائِمُ إذَا فَعَلَ مَا يُفْطِرُ بِهِ جَاهِلا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ : فَهَلْ عَلَيْهِ الإِعَادَةُ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ . . . وَالأَظْهَرُ أَنَّهُ لا يَجِبُ قَضَاءُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ , وَلا يَثْبُتُ الْخِطَابُ إلا بَعْدَ الْبَلاغِ , لقوله تعالى: ( لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ) . وَقَوْلِهِ : ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا ) . وَلِقَوْلِهِ : ( لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) وَمِثْلُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ مُتَعَدِّدٌ , بَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ لا يُعَاقِبُ أَحَدًا حَتَّى يُبَلِّغَهُ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ . وَمَنْ عَلِمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَآمَنَ بِذَلِكَ , وَلَمْ يَعْلَمْ كَثِيرًا مِمَّا جَاءَ بِهِ لَمْ يُعَذِّبْهُ اللَّهُ عَلَى مَا لَمْ يَبْلُغْهُ , فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يُعَذِّبْهُ عَلَى تَرْكِ الإِيمَانِ بَعْدَ الْبُلُوغِ , فَإِنَّهُ لا يُعَذِّبُهُ عَلَى بَعْضِ شَرَائِطِهِ إلا بَعْدَ الْبَلاغِ أَوْلَى وَأَحْرَى , وَهَذِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمُسْتَفِيضَةِ عَنْهُ فِي أَمْثَالِ ذَلِكَ . فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ أَنَّ طَائِفَةً مِنْ أَصْحَابِهِ ظَنُّوا أَنَّ قوله تعالى: ( الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ ) هُوَ الْحَبْلُ الأَبْيَضُ مِنْ الْحَبْلِ الأَسْوَدِ . فَكَانَ أَحَدُهُمْ يَرْبِطُ فِي رِجْلِهِ حَبْلا . ثُمَّ يَأْكُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ هَذَا مِنْ هَذَا فَبَيَّنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ الْمُرَادَ بَيَاضُ النَّهَارِ , وَسَوَادُ اللَّيْلِ . وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالإِعَادَةِ اهـ .
وقال ابن القيم في "إعلام الموقعين" (4/66) :
" وَقَدْ عَفَا (يعني النبي صلى الله عليه وسلم) عَمَّنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ فِي نَهَارِ الصَّوْمِ عَمْدًا غَيْرَ نَاسٍ لَمَّا تَأَوَّلَ الْخَيْطَ الأَبْيَضَ وَالْخَيْطَ الأَسْوَدَ بِالْحَبْلَيْنِ الْمَعْرُوفَيْنِ , فَجَعَلَ يَأْكُلُ حَتَّى تَبَيَّنَا لَهُ وَقَدْ طَلَعَ النَّهَارُ , وَعَفَا لَهُ عَنْ ذَلِكَ , وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْقَضَاءِ , لِتَأْوِيلِهِ اهـ