طرائف الشعراء
--------------------------------------------------------------------------------
عرف عن أدباء العربية:
ارتباط هؤلاء الأدباء بالفكاهة
لقدرتهم العالية على التفاعل مع اللغة،
فضلاً عن سرعة البديهة وسعة الخيال،
ومما يكشف سرعة البديهة والذكاء الشديد
دارمي والخمار الأسود
قدم تاجر من العراق إلى أهل المدينة
ليبيع عليهم من خـمر -وهي جمع خمار: ما يُغطى به رأس المرأة- العراق،
وقد كانت بكميات كبيرة وألوانٍ متعددة؛
فبيعت كلها إلا السود منها فلم يبع منها شيء
فشكا ذلك إلى الدارمي
-وهو شاعر من تميم كان من أهل العشق والغزل
لكنه قد تاب عن ذلك ولزم المسجد وتنسك-
فقال له: ما تجعل لي على أن أحتال لك بحيلة حتى تبيعها كلها؟
فقال التاجر: لك ما شئت.
فذهب الدارمي إلى بيته
ولبس ما كان يلبس أيام تغزله وعشقه
وعاد إلى مثل شأنه الأول فقال شعراً
أرسله إلى أحد أصدقائه من المغنين في الأسواق.
فأخذ المغني أبيات الدارمي وغنى بها في السوق قائلاً:
قـُـل للمليحة في الخمار الأسود ِ ـــ مـاذا فـعـلـتِ بـزاهدٍ مُـتـعـبِّـد ِ
قـد كـان شـمَّـرَ للـصـلاة ثـيـابَـه ــ حتى خطرتِ له بباب المسجد ِ
رُدِّي عليه صـلاتـه وصـيـامـه ــــ لا تـقـتـلـيـه بـحـق آل مـحـمـد ِ
فشاعت هذه الأبيات في المدينة،
وقال الناس: لقد رجع الدارمي وتـعـشـَّـق صاحبة الخمار الأسود.
فلم تبق مليحة في المدينة إلا اشترت خماراً أسوداً؛
وباع التاجر العراقي جميع ما كان معه
فلما نفذ رجع الدارمي إلى نسكه وصلاته.
[[ الأصمعي و الشيخ ]]
حكي الأصمعي قال: ضلت لي إبل فخرجت في طلبها و كان البرد شديدا،
فالتجأت إلى حي من أحياء العرب وإذا بجماعة يصلون و بقربهم شيخ ملتف بكساء
وهو يرتعد من البرد و ينشد :
أيا رب إن البــرد أصبـح كـــالـحا *** وأنت بحـــــالي يا إلـــهي أعلم
فـإن كنت في يوما في جهنم مدخلي *** ففي مثل هذا اليوم طابت جهنم
قال الأصمعي :
فتعجبتُ من فصاحته وقلت له : يا شيخ ما تستحي تقطع الصلاة وأنت شيخ كبير,
فأنشد يقول :
أيطمـع ربي أن أصلي عــــاريا *** و يكسو غيري كسوة البرد والحر
فوالله لا صليت ما عشت عـاريا *** عشــاء ولا وقت المغيب ولا الوتر
ولا الصبح إلا يوم شمس دفـيئة *** وإن غيمت فـويل للظهـر والعصـر
و إن يكسـني ربي قميصا وجبة *** أصلى له مهـما أعيـش من العمــر
قال: فأعجبني شعره وفصاحته فنزعت قميصا وجبة كانا عليَّ
ودفعتهما إليه وقلت له إلبسهما وقم فصل فاستقبل القبلة وصلى جالسا
وجعل يقول :
إليك اعتذاري من صلاتي جالــسا *** على غير طهــــر موميا نحوى قبلتي
فمالى ببرد المــاء يا رب طــاقــــة *** ورجــــلاي لا تقـوى على ثني ركبتي
ولكنــــني أستغفـــــر الله شــاتـــيا *** و أقضيكــــها يا رب في وجه صيفـتي
وإن أنــا لم أفعــــل فأنت مــحكـــم *** بما شئت من صفعي ومن نتف لحيتي
قال : فعجبت من فصاحته وضحكت عليه وانصرفت